محمد غازي عرابي

800

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ لقمان : 14 ، 15 ] للآيتين بطنان ، البطن الظاهر ، والوالدان هما اللذان كانا السبب في مجيء المولود ، وهما اللذان ربياه حتى كبر وصار قادرا على تحصيل رزقه ، والأم بخاصة مقدمة في الوصية الإلهية وكما أوصى عليه السّلام ، ذلك لأنها تحمل طفلها وتضعه بالألم ، ثم تتعهد طفلها وتؤثره على نفسها وراحتها وسعادتها وتسقيه لبنها ، ولبنها خلاصة دمها . فالوالدان مقدمان على الناس أجمعين ، ولهما الأفضلية في الطاعة والإحسان إلا في حد الشرك باللّه ، فهاهنا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وللأمر رقيقة ، ذلك أن حنان الأبوين ، هو داعية إلهية كما أسلفنا القول ، ولهذا قلنا إن للآيتين بطنين ، فالبطن الظاهر للإنسان ، والبطن الباطن للّه ، فلو لا اللّه ما مثل الوالدين دورهما ولا ضحيا في سبيل الولد ، ولو أن اللّه لم يجعل من الوحوش والدين لما كانا والدين ، ولأكل الوحش صغاره أو لهجرها ، فاللّه مقدم على الوالدين لأنه الفاعل فيهما وبهما وعن طريقهما وما هما إلا وسيلة وآلة ، فلئن جاوز الوالدان حدهما وأرادا ولدهما على الشرك باللّه وجبت مخالفتها ، علما أن اللّه لم يجحد دورهما المقدس حتى وإن أرادا ولدهما على الشرك ، إذ تابع قائلا : وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ، أي أد إليهما حقهما عليك . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 16 ] يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) [ لقمان : 16 ] ما دام الوجود المادي مؤلفا من ذرات أصلها جسيمات أصلها ضوء لطيف كان كل شيء متحركا به ، ولو رفع يده عنه ما تحرك بل ما بقي ، والآية تذكر بأن الفاعل في العالم قادر على أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء ، فاللّه الفاعل عن طريق القوانين قادر على مخالفة هذه القوانين ، وها هنا اختلفت الفلاسفة والعلماء ، فمنهم من قال إن قوانين الطبيعة هي قوانين إلهية ، فلا يمكن نقض هذه القوانين لأنها كلية ثابتة خارجة من المجمل إلى التفصيل ، فمثل الوجود وقوانينه كسفينة لها قبطان يقود السفينة وفق علم يعلمه ، ولا يمكن أن يخرج عنه ما دام هو العلم ولا علم غيره ، وهؤلاء لم يعترفوا بالمعجزة ولا أقروها ، واكتفوا بالقول إن نظام هذا العالم الرائع كاف للدلالة على وجود اللّه وقدرته ، ومنهم من قال إن فاعل الشيء بقدرته قادر على التغيير ، ومواقف الأنبياء ، وما ورد من أقوال في الكتب المقدسة هو من هذا القبيل ، فالكتب تصف وتذكر المعجزات التي أتاها الأنبياء والكرامات التي أتاها الأولياء ، وفي الفتوحات قصة تصف حادثة وقعت لأشخاص اختلفوا في تأويل القرآن ، فمنهم من قال إن ما